الاثنين، 5 نوفمبر 2012
"رغيف خبز بلّلته الدموع".. وحرقه الوطن
قبلات تنهال عليه وأياد تنتظر أن يحين دورها. يدخل شنطته إلى غرفته ليستريح من تعب السفر, ويستنشق هواء وطنه بعد أن أعيت براكين الصحراء رئتاه. يتمدد على السرير فتقع يده على كيس أسود تحت الوسادة المقابلة. يتغلب الفضول على تعبه, فيقرر أن يفتح الكيس ويلقي نظرة على محتواه. تقع عينيه على رسوم وإشتراكات وضرائب وأقساط ومخالفات سير. تتنوع قيمتها بين المقبولة والكثيرة والمستحيلة. استجمع أفكاره وقارن بين ما إدّخره من أموال طيلة عام, وما يترتب على منزله من مدفوعات لشهر, فوجد أن ما إدخره لا يكمّل عدد المدفوعات المترتبة. أطلق العنان لنومة وتجاهل أمر تلك الأوراق. إستنكرت الأوراق تجاهلها هذا وتسللت إلى حلمه. حلم أنه يمشي في حديقة خضراء تزينها الورود, فجأة قفز ثقل على ظهره وعرّف على نفسه بإسم الكهرباء. رحّب به وتابع المسير, واذ بحمل آخر يقفز معرفا نفسه بالمياه وقسط الجامعة. رحب به أيضا وتابع المسير, وكلما تقدّم تفقد الحديقة اخضرارها والورود تزبل. خطواته تتثاقل, وظهره اشتد ألمه, لكنه واصل خطاه. خطوة أخرى من قدمه كانت كفيلة لأن يقفز عليه عشرات الأوزان. البعض عرّف عن نفسه "وركب", وبعضهم أشفق عليه وصعد خلسة. الحديقة اختفت وصار لونها قاتما, والورود أضحت عيدانا يابسة, وهواء يرتطم بوجهه كلهب حارق. رمى حمولة ظهره وفتح عيناه. نادى زوجته وأعطاها الأموال طالبا منها تسديده, آملا أن يختفي ألم ظهره. أمضى اجازته وهو يلعن سياسة حكومة وطنه, ناقما عليها لما تسببه لشعبها من تجويع واستقواء. يقول دائما بأن "الحكومة في الغربة ترأف بي وتحترمني وتقدّرني أكثر من وطني". غلاء في المعيشة وضرائب زائدة على خدمات لا تصل كما يجب, ومدفوعات تخلق ولا يعرف كيف ولماذا, تولد عنده حالة نفور من كل ما يتعلّق بوطنه. تمنى أن يسافر قبل أن تنتهي اجازته, وأن لا يعاود المجيء إلى وطن لا يعرف الرحمة, فيعد الأيام للرحيل والخلاص. أتى يوم سفره. شعر بإحساس يشدّه إلى البقاء.تمنى لو تطول الدقائق المتبقية لساعات. تعلقت يده بيد أمه العجوز, ودمعة تتزلج على وجنتيها. طلبت منه البقاء فساعة موتها اقتربت. قبّل يدها وحبس دمعته وادار ظهره. معانقات يتلقاها من الأولاد وزوجته, وأياد تلوّح وتقول"باي جدّو ما تنسى تجبلنا ألعاب". مرّ بمشاهد موت أردته قتيلا ولا زالت دمعته واقفة بسكون. فتح الباب وأمسك شنطته ولوّح بيده ومشى. نظر إلى درجات بيته وفجّر دمعه عليها. أسقطها كطفل سرقت لعبته. تمنى أن ينزلق بدموعه ويقع أرضا كاسرا قدمه ليبقى. بكى كل ما يملك, لكنه لم ينزلق. استقل سيارة الأجرة واتجه نحو المطار, تاركا خلفه بقية سنين عمره وشبابه, وبعضا من شتائم نسي أن يطلقها على دولته. بإسم مواطن ناقم, أعيته نار الغربة. سافر ليموت هو, ويأكلوا هم.
الاشتراك في:
تعليقات الرسالة (Atom)

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق