الجمعة، 6 يوليو 2012

أحلام التخرّج.."أمل أم ألم"



علي غندور

كما تقول الأغنية "ما فيش فرحان في الدنيا زي الفرحان بنجاحو". تمثل فترة التخرّج لجيل الشباب الخطوة الأولى نحو التخلّص من ضغوطات الدراسة والمحاضرات والكتب السميكة, والشعور بالحرية للإنطلاق نحو سوق العمل كي يطبقوا ما تلقّنوه في جامعاتهم ويححققوا الإكتفاء الذاتي مادياً ويصبحوا مسؤولين عن أنفسهم بكل ما للكلمة من معنى, إلا أن ظروف الواقع على الأرض تحكي غير ذلك كلياً.
يحكي "سامر" خريج كلية الهندسة عن تجربته مع التخرّج. "كانت لحظة التخرج بالنسبة لي تمثل بوابة التغيير في حياتي, فكنت أظن أني بمجرّد ما أتخرج سأبدأ العمل, لكني وصلت إلى حائط مسدود كوني ما زلت منذ سنتين عاطل عن العمل, فالتجأت إلى والدي لأساعده وأنتّج مصروفي".
"علي" خريج كليّة الحقوق كان له رأي مغاير ل "سامر" بحيث قال :" أنا إبن البلد, ومنذ أن دخلت الجامعة وأنا أحضّر نفسي للبطالة, تعلمت من أخي بحيث كان مفعماً بالأمل والطموح لبناء مستقبله بعد تخرّجه, لكن الواقع جعله يدرك سريعاً بأننا في وطن الأحلام فحسب, فمنذ ذلك الحين عوّدت نفسي على هذه الفكرة وتماشيت معها وقبلت بوظيفة محاسب في إحدى الشركات, كي لا تنطبق عليً كلمة عاطل عن العمل".
القصة لدى ليلى خريجة كلية الآداب تختلف عن سابقاتها, فتقول بأنها تابعت تعليمها ليس بهدف العمل كسبب أساسي, إنما وجدت المرحلة الجامعيّة فرصة للإندماج مع المجتمع والإنخلاط مع أصدقاء من مختلف الطوائف والمناطق وإنشاء علاقات إجتماعية, علّ يوم حظها يقرب وتحظى بشريك لحياتها. هدفي أن أحصل على سلاحي(العلم) وأجد الشخص المناسب ليكون زوجاً لي. لكني تخرّجت ولم أجد فارسي ولا فرصتي في العمل. " بعد التخرج عزائي الوحيد المسلسلات التركية, وركوة القهوة مع الجيران".
بعد أن تخرًج "يوسف" وأصبح بحوزته شهادة "كومبيوتر ساينس", ملً من المقابلات وطبع "السي في" وإرسالها إلى هنا وهناك, فقرر أن يغادر وطنه ليلتجأ إلى أحضان الغربة. "البلد هيدي خلقنا فيها بس مش إلنا, أحسن شي إني سافر على الخليج وإبني مستقبلي هونيك". "ملّينا من حالنا نحنا ونقول لبنان أحسن بلد ومنحبّو, كل واحد لازم يدور على مصلحتو". فالسفر أصبح بالنسبة له مخرجاً وملازه الوحيد.
حال هؤلاء الشباب كحال الآلاف غيرهم, لكن الوضع يختلف ما بين حالة وأخرى. البعض عمل في مجال لم يخطر في باله يوم, والبعض لم يقبل وقبل رغماً عنه أن تنطبق عليه صفة"العاطل عن العمل". وأكثرهم قررواالسفر وتركوا خلفهم دمعة وحرقة وشوق. لكن يبقى السؤال : هل تستحق بلاد الغربة خيرة شبابنا أكثر مما يستحقه وطننا؟ وإلى متى ستستمر حالات الشرخ في العائلات بسبب السفر والبعد. نظرة الدولة والمسؤولين عن هذا الوضع تفيد بأن سفر الشباب اللبناني يمثل العنصر الحيوي للإقتصاد اللبناني نظراً إلى العائدات المالية وخلق سيوله في السوق ودفع العجلة الإقتصادية. لكنهم لم يفكّروا يوماً بحرمان أم لضم ولدها, ولا بغربة موحشة تأكل من العمر نصفه وتسرق روحه ولا تشبع. لم يعد التخرّج بالنسبة للشباب فسحة أمل, بل أصبح باباً جديدا لتتراكم عبره المعاناة. فتصبح عندها الحياة أصعب عندما يخسر شبابنا فسحة أملهم الأخيرة. فماذا تبقى لهم ليحلموا؟


"زمّور وعوينات".."وأطيب سندويش"


علي غندور

إسمه علي, شاب في الخامسة والعشرون من عمره, خلقه الله مريض عقلياً. وجسدياً بشكل جزئي,  إذ تظهر جلياً حين يركض. يمسك "الزمور" و"العوينات" ويركض ليتفقد حارات بلدته واحدة واحده, ويعلن إقامته في الحارة التي يجد فيها أطفال يلعبون, وإما فتيات ُتعجبنه.
حين يشعر بأن عصافير بطنه تزقزق, يشد الرحال ويتوجّه نحو إحدى مطاعم البلدة, وبإشارة سحرية من يده يفهم صاحب المطعم طلبه وتكون السندويش في مسار الفم ريثما ينتهي صاحب المطعم من إعدادها.
يقضي على السندويش بدقيقة, فيتوجّه نحو دكان "أبو علي حبيب" فيتكرّم عليه الأخير بكيس "شيبس أو بون جوس" ليستمد النشاط ويكمل الرحله متفقداً أهالي الضيعة وملاحقاً لأولادها بهدف اللعب واللهو, لكنهم ما يلبثوا أن يخافوا ويبتعدوا عن طريقه.
في أحد الأيام سمع الأولاد صوت علي منادياً بكلمة لم يفهموها, لكنهم إستنتجوا بأنه ينطق إسم فتاة, فمنذ ذلك اليوم أصبحوا عندما يرونه ينادونه ب " أنينا" ويرد عليهم بنفس العبارة, وكأنها كلمة سر متفق عليها, فكانت المفتاح الأساس لتكسر الحاجز بينه وبين الأولاد وينتهي زمن الخوف والهرب منه عند وصوله.
يسير "علي" في الطرقات وكأنها جميعها ملكه, ويزور أهلها كأنهم أهله. حرمه الله من العقل ولكنه أعطاه محبة تجمع العالم كلّه, وطيبة لا مثيل لها.
كم منا يقول "حرام علي الله خلقو معاق"؟, لكن الواقع يقول هنيئاً لك على حياتك, فطيبتك ومحبتك لا يمكننا أن نجدها عند من يدّعون لديهم عقول, وإن إزداد الغلاء المعيشي أو حطّم سعر صفيحة البنزين الرقم القياسي, وإن شكلت الحكومة أو نشبت ثورة, فالجميع عنده على حد سواء, ومهما كانت الأسباب والنتائج, فالحياة عنده ستظلّ على نفس المنوال .
هنيئاً لك راحتك النفسيّة والطمأنينة التي زرعها الله فيك, وضحكتك التي لا تفارقك البته وإن "خربت الدنيا", ومبارك علينا كدّنا وتعب أجسادنا لنطال لقمة عيشنا وأقساط أولادنا ومتطلبات الحياة. فنضحك ضحكة "صفراوية" بأن الله أعطانا العقل وحرمه إياه, ولكننا في دخيلة أنفسنا نعلم بأن الله بإعاقته هذه, فضّله علينا, وأعطاه هناء في الدنيا وجنّة في  الآخرة.