من يراقب الثورات التي تجتاح العالم العربي
هذه الفترة، يدرك مدى هشاشة دور المثقفين فيها. نقول مدى هشاشة دورهم انطلاقاً من الايمان
بدورهم الطليعي في بناء المجتمع وتوعيته والتقدم به الى مراحل هامة. فالثورة التونسية
مثلا لم يقم بها مثقفون قرروا أن يغيروا معادلة الحكم، بل شاب قرر احراق نفسه بعد ما
تعرض له من ظلم. ما حصل في تونس أثّر بشكل كبير على الشعب المصري فانتفض على حاكمه
وقرر أن يغير المعادلة، وان لا يرضى بالقهر والحرمان مجدداً، محاولاً أن يبني نظاماً
ديموقراطياً جديداً قوامه العدل والمساواة وتوزيع الحصص بالتساوي، وخلق فرص عمل جديدة.
وما حصل في تونس ومصر، تأثر به وبقوة الشعب
اليمني والليبي وجزء من الشعب السوري، فحاولوا أن ينتفضوا على أنظمتهم وأن يكتبوا تاريخا
جديداً لبلادهم. ولكن المفارقة في كل الثورات التي ذكرت هي أن الشعب هو من بادر الى
اسقاط الأنظمة الديكتاتورية والتظاهر والاعتصام والاحتجاج، وكانت عامة الناس تتقدم
على المثقفين.
ما نريد قوله أن الشعب خطف دور المثقفين،
وجعلهم يمشوا وراءه، علماً أنه كان من المفترض ان يبادر المثقفين الى انتقاد أنظمتهم
وتقديم برامج جديدة خلال الثورة وقبلها، خصوصاً أن المثقف شخص مدرك للأمور وعواقبها
أكثر من غيره، كما أن نظرته للأمور تختلف عن نظرة الانسان العادي .
لم نلاحظ في الثورات العربية دوراً بارزا
للمثقفين، بل اكتفوا ببيانات تأييد للثورات. كان من المفترض عليهم أن يبدؤوا عملهم
باكرا، وأن يفتحوا نقاشاً واسعاً في صحف ومجلات مختصة، وأن لا يرضخوا للرقابة المفروضة
من قبل الأنظمة. فمن غير المثقفين قادر على التعبير عن الحرية والمساواة وابراز حقوق
الانسان، وما له من واجبات وما عليه. فالمثقفون المنفيون مثلاً من بلدانهم الى بلدان
غربية، لم يلعبوا دوراً كبيراً في شرح الثورات في وسائل الاعلام الغربية، وطغى الحضور
السياسي على المشهد. كثير من الناس كانوا ينتظرون دورا فعليا من المثقف، أو دورا تعبويا
وتحريضيا يتجاوز فعل التأمل والعقلانية وإنتاج الأفكار، وهي الأدوار التي كان يقوم
بها المثقفون التقليديون. والغريب أن عدداً كبيرا من المثقفين في مصر وتونس مثلاً،
كان موقفهم ضبابياً من الثورة الى أن سقط الرئيسين زين العابدين بن على وحسني مبارك،
فتحرروا من القيود ونزلوا الى الشارع مهللين ومباركين .
لا ننكر أن للمثقفين دور مهم في أرشفة وتوثيق
أحداث الثورة من خلال دراسات وأبحاث ونصوص وروايات مستقبلية. فالأحداث الأخيرة في الوطن
العربي سينتج عنها فورة أدبية مهمة، وثمة العديد من المشاريع باشر أصحابها في كتابتها .
ويبقى أن نشير الى أن من راهن على المثقفين
ودورهم في قيادة المجتمعات العربية، مني بخسارة كبيرة، خصوصا أذا لاحظنا أن الثورات
العربية لم تقم على شعارات فضفاضة أو نظريات ولى زمنها، بل على المطالبة بالحرية والحق
والعيش بكرامة، والمطالبة بالديموقراطية التي ستكون شعوراً جديداً بالنسبة الى كثيرين .