علي غندور
إسمه علي, شاب في الخامسة والعشرون من عمره, خلقه الله مريض عقلياً. وجسدياً
بشكل جزئي, إذ تظهر جلياً حين يركض. يمسك
"الزمور" و"العوينات" ويركض ليتفقد حارات بلدته واحدة واحده,
ويعلن إقامته في الحارة التي يجد فيها أطفال يلعبون, وإما فتيات ُتعجبنه.
حين يشعر بأن عصافير بطنه تزقزق, يشد الرحال ويتوجّه نحو إحدى مطاعم
البلدة, وبإشارة سحرية من يده يفهم صاحب المطعم طلبه وتكون السندويش في مسار الفم
ريثما ينتهي صاحب المطعم من إعدادها.
يقضي على السندويش بدقيقة, فيتوجّه نحو دكان "أبو علي حبيب"
فيتكرّم عليه الأخير بكيس "شيبس أو بون جوس" ليستمد النشاط ويكمل الرحله
متفقداً أهالي الضيعة وملاحقاً لأولادها بهدف اللعب واللهو, لكنهم ما يلبثوا أن
يخافوا ويبتعدوا عن طريقه.
في أحد الأيام سمع الأولاد صوت علي منادياً بكلمة لم يفهموها, لكنهم
إستنتجوا بأنه ينطق إسم فتاة, فمنذ ذلك اليوم أصبحوا عندما يرونه ينادونه ب "
أنينا" ويرد عليهم بنفس العبارة, وكأنها كلمة سر متفق عليها, فكانت المفتاح
الأساس لتكسر الحاجز بينه وبين الأولاد وينتهي زمن الخوف والهرب منه عند وصوله.
يسير "علي" في الطرقات وكأنها جميعها ملكه, ويزور أهلها كأنهم
أهله. حرمه الله من العقل ولكنه أعطاه محبة تجمع العالم كلّه, وطيبة لا مثيل لها.
كم منا يقول "حرام علي الله خلقو معاق"؟, لكن الواقع يقول هنيئاً
لك على حياتك, فطيبتك ومحبتك لا يمكننا أن نجدها عند من يدّعون لديهم عقول, وإن
إزداد الغلاء المعيشي أو حطّم سعر صفيحة البنزين الرقم القياسي, وإن شكلت الحكومة
أو نشبت ثورة, فالجميع عنده على حد سواء, ومهما كانت الأسباب والنتائج, فالحياة
عنده ستظلّ على نفس المنوال .
هنيئاً لك راحتك النفسيّة والطمأنينة التي زرعها الله فيك, وضحكتك التي لا
تفارقك البته وإن "خربت الدنيا", ومبارك علينا كدّنا وتعب أجسادنا لنطال
لقمة عيشنا وأقساط أولادنا ومتطلبات الحياة. فنضحك ضحكة "صفراوية" بأن
الله أعطانا العقل وحرمه إياه, ولكننا في دخيلة أنفسنا نعلم بأن الله بإعاقته هذه,
فضّله علينا, وأعطاه هناء في الدنيا وجنّة في
الآخرة.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق